خلود العموش
3
الخطاب القرآني
تصدير بقلم أ . د . نهاد الموسى أستاذ العربية واللسانيات العربية في كلية الآداب من الجامعة الأردنية ( 1 ) يحكي الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أن أبا عبيدة قال : أرسل إليّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة ، فقدمت عليه ، وكنت أخبر عن تجبّره ، فأذن لي فدخلت وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسيّ وهو جالس عليها ، فسلّمت عليه بالوزارة ، فردّ وضحك إليّ واستدناني حتى جلست معه على فرشه ، ثم سألني وألطفني وباسطني . وقال : أنشدني ، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهلية . فقال لي : قد عرفت أكثر هذه ، وأريد من ملح الشعر فأنشدته فطرب وضحك وزاد نشاطه . ثم دخل رجل في زيّ الكتّاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي ، وقال له : أتعرف هذا ؟ قال : لا . قال : هذا أبو عبيدة علّامة أهل البصرة أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا . وقال لي : إنّي كنت إليك مشتاقا ، وقد كنت سئلت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرّفك إياها ؟ قلت : هات . قال : قال اللّه تعالى : ( طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ) وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله وهذا لم يعرف . فقلت : إنّما كلّم اللّه العرب على قدر كلامهم ، أما سمعت قول امرئ القيس : أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال وهم لم يروا الغول قطّ ، ولكنّه لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل . واعتقدت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن لمثل هذا وأشباهه ولما يحتاج إليه من علمه فلمّا رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته المجاز . . .